ابنا : ولكن وراء هذا توجد مخاوف عميقة بأن عملية الحوار غير تمثيلية وأنها من غير المحتمل أن تجلب إصلاحات حقيقيَّة. انسحاب الوفاق يشير إلى تدهور خطير في الجهود التي كان هشة أصلاً والرامية لنقل الانتفاضة المجهضة والقمع الذي اجتاح البلاد في النصف الأول من عام 2011 إلى الماضي.
الحوار الوطني كان به عيوب أصلاً، ولكن انسحاب أكبر جماعة معارضة فقط بعد أسبوعين هي نكسة أخرى. الإعلان الأخير عن لجنة مستقلة للتحقيق في الأحداث الأخيرة ستسلِّم تقريرها في شهر أكتوبر هو أحد المصادر القليلة الباقية الباعثة على الأمل. هناك مؤشرات قليلة حول استعداد الحكومة لقبول الإصلاحات السياسية التي تتطلع لها المعارضة مثل إعطاء الصلاحيات للبرلمان المنتخب وإنهاء تقسيم الدوائر الانتخابية غير العادل. في الحقيقة؛ هُناك قصَّة مثيرة للقلق نقلها بعض المسؤولين تصوِّر جزءاً كبيراً من الطائفة الشيعية في البحرين على أنهم غير موالين ولا يستحقون الديمقراطية.
حوار البحرين الوطني صُوِّرَ في بعض التقارير الإعلامية على أنَّه سلسلة من المحادثات بين الحُكَّام والمعارضة حول الإصلاح السياسي. عملياً على أية حال؛ العملية مختلفة جداً. أولاً؛ الحُكَّام في الحقيقة لا يأخذون جزءاً من المحادثات. التكهنات المبكِّرة التي أشارت إلى أن ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة سيكون وسيطاً في الحوار ثبت بأنَّها كانت خاطئة، فبدلاً من ذلك؛ سيرأس منتدى النقاش الذي يستمر لمدة شهر رئيس مجلس النواب خليفة الظهراني وهو شخصية مقرَّبة من رئيس الوزراء. المشاركون الثلاثمائة في الحوار يتناوبون على الحديث عن "مرئياتهم" حول مستقبل البحرين، والتي يتم تحريرها لاحقاً في وثيقة موجزة تُسلَّم إلى الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والذي سيكون باستطاعته أن يصدر أوامراً ملكية جديدة بناءاً على التوصيات، إن كان يرغب بذلك. (يمكن الاطلاع على وجهة نظر ساخرة هنا).
بالإضافة لذلك؛ تم بناء المنتدى بطريقٍ تجعل المعارضة فيه أقلية صغيرة، حيث تم تخصيص خمسة وثلاثين مقعد من أصل ثلاثمائة مقعد لممثلي جمعيات المعارضة السبع المعترف بها قانوناً من بينها جمعية الوفاق. أما باقي المقاعد فقد أعطيت لمنظمات غير حكومية ونقابات مهنية وعماليَّة (والتي تم تطهيرها من المحتجين وممن شاركوا في الإضراب عن العمل)، كما أعطيت المقاعد لممثلي الأجهزة الإعلامية (الذين يعانون من الرقابة الذاتية ويتجنبون انتقاد الحكومة) و "الشخصيات البارزة". ليس هناك ممثلين للمتظاهرين الشبَّان الذين يقبع العديد منهم في السجن حالياً. بشكل عام؛ المنتدى لديه تمثيل سياسي أقل حتى من البرلمان البحريني، ويتمتع بصلاحيات أقل لتطبيق أيٍّ من قراراته.
في شهر مايو حذَّر الرئيس باراك أوباما أن الحوار الوطني الحقيقي لا يمكن أن يحدث في الوقت الذي تقبع فيه عناصر من المعارضة السلمية في السجن. هذه العناصر ما تزال موجودة في السجن. تم إطلاق سراح بعض السجناء في الأيام الأخيرة، من بينهم آيات القرمزي الامرأة التي تبلغ من العمر عشرين عاماً والتي تلقت حكماً بالسجن لمدة سنة واحدة لإلقائها لقصيدة مناهضة للحكومة. قضيتها تم تبنيها من قبل منظمة العفو الدولية، كما استحوذت قضية الأخوين حبيل نجمي كرة القدم الوطنيين على اهتمام الاتحاد الدولي لكرة القدم. جذب هاتين القضيتين للاهتمام العالمي يلقي بظلال الشك على قيمتيهما كتدابير محليَّة لبناء الثقة.
وبشكل حاسم؛ لم تتضمن الإفراجات زعماء المعارضة. من ضمن السياسيين المسجونين يتواجد إبراهيم شريف وهو رئيس جمعية وعد- وهي جمعية سياسية ليبرالية علمانية تمتلك رخصة من الحكومة لمزوالة عملها- والذي تلقى حكماً بالسجن لمدة خمس سنوات لسعيه لإسقاط الحكومة بعد أن دعا لإقامة ملكية دستورية أثناء الاحتجاجات. وعلى نفس النمط؛ أحد ممثلي الوفاق الذين تم تسميتهم للحوار وهو جواد فيروز الرئيس السابق للجنة المرافق في البرلمان كان غير قادر على الحضور لأنه كان موجوداً في السجن تحت تهمة نشر "الأكاذيب". أحد المسؤولين أخبر CNN أن هذه "الأكاذيب" متعلقة بشكل رئيسي بالمقابلات التي قام بها مع القنوات الفضائية. مؤخراً تم تأجيل جلسة استناف محاكمة أبرز السياسيين المعتقلين -مع معتقلين آخرين- الذين من ضمنهم إبراهيم شريف وجواد فيروز، وحسن مشيمع وعبدالجليل السنكيس المنتميان لحركة حق، وعبدالوهاب حسين المنتمي لتيار الوفاء، من شهر يوليو حتى شهر سبتمبر، عندما يكون الحوار قد انتهى في ذلك الوقت.
وبالنظر إلى كل هذا؛ لم يبدو منتدى الحوار الوطني أبداً على أنه من المرجح أن يكون المكان الذي يتم فيه حل المشاكل السياسية المحددة بين الحكومة والمعارضة. وبهذا الكلام؛ من الممكن أن يكون هذا النوع من المنتديات الواسعة النطاق منبراً مفيداً للمواطنين البحرينيين لنشر أفكارهم إذا شعروا بأنهم أحرار في التعبير عن آرائهم. و على نحو مماثل؛ تمتلك المملكة العربية السعودية حواراً وطنياً يمكن لأفراد من المجتمع المدني فيه مناقشة القضايا، على الرغم من عدم وجود متابعة ملزمة للمناقشات. في الحالة السعودية؛ أصيب البعض بخيبة الأمل لما رأوه على أنَّه مركز تخاطب للنخبة، بينما يجادل آخرون على أن عملية الحوار ساعدت ببراعة على تعزيز المناقشات في المجتمع السعودي على نطاقٍ أوسع حول أمورٍ كانت من المواضيع المحرَّمة سابقاً. ولكن البحرين تمتلك مسبقاً مجتمعاً مدنياً متطوراً، وهو شيء تفخر به البلاد في أوقاتٍ أفضل. البحرين كانت الدولة الأولى التي بدأت بتعليم الشعب قبل دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، كما كانت الدولة الأولى التي تتواجد فيها النقابات المهنية. للأسف؛ هذا المجتمع المدني يخضع اليوم لترهيب كبير.
وفي وقتٍ تشعر فيه الحكومة بالذعر العميق من المعارضة، في الوقت الذي يسجن فيه الناس لتعليقاتهم السياسية ولمشاركتهم في الاحتجاجات؛ هناك بالكاد مناخ باعث يساعد على بدء نقاش حول الإصلاح السياسي. قضت أطراف من الحكومة ووسائل الإعلام الرسمية أشهراً إن لم تكن سنوات في محاولة إقناع العديد من السكان السُنَّة أن البحرينيين الشيعة غير قادرين على المشاركة في الديمقراطية لأن لديهم صلات دينية تربطهم برجال دين في العراق وإيران، وهذا يُذكِّر بشكل نسبي بالتهم التي وُجِّهت للكاثوليكيين واليهود في سياقات مختلفة. البعض وصف مناخ البحرين الحالي بـ "المكارثية"، واستشهدوا على سبيل المثال بصفحات موقع فيسبوك التي عرَّفت حتى المنتقدين المعتدلين للحكومة على أنهم "خونة"، في الوقت الذي سعى فيه العديد من المسؤولين لتصوير الانتفاضة على أنها مؤامرة خارجية. ويثبت مجال البحرين الغاضب في موقع تويتر على أنه مثال صارخ على وجهة النظر "الإنترنتية المتفائلة" الخاطئة لوسائل الإعلام الاجتماعية بوصفها قوة لإرساء الديمقراطية. وفي نطاق أوسع من المجتمع يقول أحد نشطاء المجتمع المدني: "الناس لديهم اطلاع على رفقائهم، في مكان العمل وفي الجامعات وفي الأندية".
في هذه الأوقات؛ تستمر الاحتجاجات في القرى الشيعية، حيث يتم احتواؤها من قبل قوات الأمن بواسطة استخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. كشف تقرير صدر مؤخراً من منظمة هيومن رايتس فيرست يتضمَّن رواية شاهد العيان الذي رأى الحادثة أن الشرطة قامت بإطلاق الرصاص المطاطي على عابري سبيل عُزَّل بينهم نساء وأطفال، وذلك قبل حوالي تسعين دقيقة من بدء اعتصام كان من المقرر أن يُقام في منطقة البلاد القديم التي جميع سكانها تقريباً من الشيعة في السادس من شهر يوليو (بعد أن بدأ الحوار لتوِّه). وخلال عطلة نهاية الأسبوع؛ وقبل أن تعلن الوفاق عن قرارها؛ قالت مصادر تابعة للمعارضة أن زينب آل جمعة وهي والدة تبلغ من العمر سبعة وأربعين عاماً وتعيش في قرية سترة التي جميع سكانها تقريباً من الشيعة -والتي دائماً ما تكون مرتعاً للنشاط السياسي- قد تُوفِّيَت بعد استنشاقها للغاز المسيل للدموع. الحكومة رفضت هذه الادعاءات وقال أن وفاتها كانت نتيجة لأسباب طبيعية. تلا ذلك أعمال الشغب.
في هذه الأجواء الساخنة؛ واجهت الوفاق ضغطاً كبيراً من مؤيديها كي لا تشترك في الحوار، حيث اعتبرت الجماهير أن الحوار هو مجرَّد جهد من الحكومة لتحسين صورتها الدولية بدون المساومة على أية إصلاحات سياسية. قرار الوفاق الأصلي للمشاركة في الحوار كان المقصد منه أساساً هو إبداء بادرة رمزية للمصالحة تجاه الحكومة، بدلاً عن أن يكون مدفوعاً بالتوقعات بأن يتمكنوا من الاتفاق حول إجراء إصلاحات سياسية حقيقية. من المرجَّح أن الأمريكان والبريطانيون كانوا يعملون بجد أيضاً لإقناع الوفاق أن تشارك في المحادثات، بالضبط كما سعوا لإقناعها لإنهاء مقاطعتها للبرلمان الضعيف قبل سنوات قليلة (وهو الشيء الذي قامت بفعله حتى استقال نوابها البرلمانيون الثمانية عشر في شهر مارس رداً على مقتل متظاهرِين).
على أية حال؛ يجب على المجموعة أيضاً أن تُوازِن ضغوط الشارع، والتي من الصعب أنها أصبحت أكثر اعتدالاً بعد حملة القمع التي أُطلِقَت هذا العام. التجارب الماضية تشير إلى أنه من المحتمل أن هناك محادثات غير رسمية وراء الكواليس بين الحكومة وبعض زعماء المعارضة من المحتمل أن تكون الوفاق من ضمنهم. هذه المحادثات من الممكن أن تكون أكثر انتاجاً، ولكنها لا تزال مخفقةً في تمثيل الحركات الشبابية. هذه الحركات على غرار نظيراتها في أماكن أخرى في المنطقة كانت تعبر عن استيائها ليست فقط من النظام القائم؛ ولكن أيضاً من حركات المعارضة المُعترف بها قانوناً ومن بينها الوفاق نفسها. المتظاهرون الشبَّان سوف يستمرون في انتقاد المجموعة بسبب دخولها في الحوار في المقام الأول، حيث يرون هذا على أنه علامة ضعف وإذعان لحكومةٍ تواصل قمع انتفاضتهم المطالبة بالديمقراطية، بينما يؤنِّب مؤيدو الحكومة الوفاق على الانسحاب في منتصف الحوار، ويرونه كمحاولة لزعزعة المصالحة المطلوبة بشدة بعد ما اعتبروه على أنَّه مؤامرة إرهابية مُستَوحاة من إيران. هذه الرؤى المتضادة -في بلاد صغيرة جداً- تعطي أرضية صغيرة للتفاؤل في الشهور القادمة.
انتهی/137